يحلّل الكاتب خالد عظيم تداعيات التصعيد العسكري المرتبط بإيران على الأسواق العالمية، ويركّز على المخاطر التي يصعب التنبؤ بها خلال الأزمات الجيوسياسية. ويرى أن الأسواق المالية تستطيع عادةً تسعير المخاطر المعروفة مثل التوترات السياسية والكوارث الطبيعية وعدم الاستقرار السيادي، لكن التحدي الحقيقي يظهر عندما تواجه الأسواق مخاطر غير قابلة للتوقع أو القياس.

 

يوضح أتلانتيك كآونسل أن أهم مهمة تقع على عاتق صناع السياسات والجهات التنظيمية خلال فترات عدم اليقين تتمثل في ضمان توفر السيولة للمستثمرين والحفاظ على انتظام عمل الأسواق. وتملك الأسواق أدوات متعددة للتحوط من المخاطر، مثل عقود مبادلة مخاطر الائتمان، والخيارات المالية، والتأمينات المالية، وهي أدوات تساعد المستثمرين على استيعاب السيناريوهات السلبية عبر رفع معدلات الخصم وتوسيع هوامش المخاطر في التسعير.

 

المجهول المعروف مقابل المجهول غير المتوقع

 

تستطيع الأسواق التعامل مع ما وصفه وزير الدفاع الأمريكي الأسبق دونالد رامسفيلد بـ"المجهولات المعروفة"، أي المخاطر التي يدرك صناع القرار وجودها رغم عدم معرفتهم بنتائجها الدقيقة. لكن الخطر الأكبر يظهر عند مواجهة ما يُسمى "المجهولات غير المعروفة"، وهي مخاطر لا يمكن التنبؤ بها أو إدراجها ضمن نماذج الاحتمالات.

 

يشبّه بعض الاقتصاديين هذه الحالة بما يسمى في الرياضيات "المجموعة الخالية"، أي غياب المعطيات المحددة بالكامل، وليس مجرد نقص في المعلومات. ويخلق هذا النوع من المخاطر تحديًا عميقًا لصناع القرار الاقتصادي لأن النماذج التقليدية في الاقتصاد والتمويل تعتمد أساسًا على البيانات السابقة والاحتمالات القابلة للقياس.

 

أهمية الشفافية في أسواق الخليج

 

يرى الكاتب أن أسواق دول مجلس التعاون الخليجي ستواجه اختبارًا مهمًا عند إعادة فتح الأسواق بعد التصعيد العسكري الأخير المرتبط بالعمليات الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران ورد طهران الذي طال بعض دول الخليج. وفي مثل هذه الظروف تصبح الشفافية السياسية والوضوح في السياسات الاقتصادية عنصرين حاسمين لطمأنة المستثمرين.

 

قد ترحب الأسواق، على سبيل المثال، بتقديم بيانات مفصلة حول إنتاج النفط والغاز وقدرات الإنتاج والقيود التشغيلية واستمرارية الإمدادات. كما تعطي الأسواق أهمية كبيرة لاستمرار عمل أسواق المال المحلية بشكل طبيعي واستقرار القطاع المالي.

 

ويشير هذا النوع من الشفافية إلى قدرة الحكومات على احتواء الصدمات وتقليل مساحة الغموض، وهو عامل أساسي في تهدئة ردود فعل المستثمرين خلال الأزمات.

 

تأثير الحرب على العملات والطاقة

 

يرجح أن تبدأ ردود فعل الأسواق العالمية مع افتتاح التداولات في آسيا مطلع الأسبوع. وقد يشكل سلوك الدولار الأمريكي أحد المؤشرات المبكرة على اتجاه الأسواق. ورغم أن الدولار يحتفظ عادة بمكانة الملاذ الآمن خلال الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة شهدت تحولات في تدفقات رؤوس الأموال بعيدًا عنه في بعض الفترات.

 

قد يتجه المستثمرون في هذه الظروف إلى الذهب أو إلى عملات تعتبر ملاذات نسبية مثل الفرنك السويسري أو الدولار الأسترالي. وتعكس هذه التحركات سعي المستثمرين إلى حماية أصولهم من المخاطر الجيوسياسية.

 

وتكتسب أسواق الطاقة أهمية خاصة في هذا السياق، إذ تعد إيران رابع أكبر منتج داخل منظمة أوبك بحصة تقارب 12% من إنتاج المنظمة وفق بيانات بلومبرغ لعام 2025. ولذلك تراقب الأسواق تطورات الصراع بدقة لتقييم تأثيره المحتمل على إمدادات الطاقة العالمية.

 

يرجح أن ترتفع أسعار الطاقة مع تصاعد التوترات، لكن بعض الخبراء يعتقدون أن الأسواق قد تتجنب موجة الذعر التي صاحبت أزمات سابقة بسبب وفرة نسبية في الإمدادات العالمية قبل اندلاع الأزمة الحالية.

 

ويرى بعض المختصين أن الصين قد تخفف أثر أي اضطراب في صادرات النفط الإيرانية عبر السحب من احتياطياتها الاستراتيجية. في المقابل، قد تبدو أسواق الغاز أكثر حساسية للتطورات، خاصة بسبب الحقول المشتركة بين إيران وقطر، إذ قد يؤدي أي خلل في تشغيلها إلى تداعيات إقليمية واسعة.

 

وفي النهاية، لا يكمن السؤال الأساسي في قدرة إيران على مضاهاة القوة العسكرية الأمريكية، إذ يصعب عليها منافسة التفوق الجوي والبحري للولايات المتحدة. بل يتركز القلق الحقيقي في قدرة طهران على ممارسة ضغوط غير تقليدية على تدفقات الطاقة العالمية، خاصة عبر الممرات البحرية الحيوية مثل مضيق هرمز.

 

ويجعل هذا الاحتمال حالة عدم اليقين العامل الأكثر تأثيرًا في حسابات الأسواق العالمية، لأن تعطّل حركة الطاقة عبر هذه الممرات قد ينعكس بسرعة على الاقتصاد العالمي بأكمله.

 

www.atlanticcouncil.org/blogs/menasource/the-risk-of-unknown-unknowns-for-global-markets-amid-war-in-iran/